فصل: تفسير الآيات (148- 149):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآية رقم (143):

{مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (143)}
المذبذب: المتردد بين أمرين، والذبذبة الاضطراب. يقال: ذبذبته فتذبذب، ومنه قول النابغة:
ألم تر أن الله أعطاك سورة ** ترى كل ملك دونها يتذبذب

آخر:
خيال لام السلسبيل ودونها ** مسيرة شهر للبريد المذبذب

كذا روي بكسر الذال الثانية. قال ابن جني: أي المهتز القلق الذي لا يثبت ولا يتمهل. فهؤلاء المنافقون مترددون بين المؤمنين والمشركين، لا مخلصين الايمان ولا مصرحين بالكفر.
وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه أخرى» وفي رواية: «تكر» بدل: «تعير». وقرأ الجمهور {مُذَبْذَبِينَ} بضم الميم وفتح الذالين. وقرأ ابن عباس بكسر الذال الثانية.
وفي حرف أبي {متذبذبين}. ويجوز الإدغام على هذه القراءة {مذبذبين} بتشديد الذال الأولى وكسر الثانية. وعن الحسن {مذبذبين} بفتح الميم والذالين.

.تفسير الآية رقم (144):

{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً (144)}
قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ} مفعولان، أي لا تجعلوا خاصتكم وبطانتكم منهم، وقد تقدم هذا المعنى. {أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً} أي في تعذيبه إياكم بإقامته حجته عليكم إذ قد نهاكم.

.تفسير الآية رقم (145):

{إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (145)}
قوله تعالى: {فِي الدَّرْكِ} قرأ الكوفيون {الدرك} بإسكان الراء، والأولى أفصح، لأنه يقال في الجمع: أدراك مثل جمل وأجمال، قاله النحاس.
وقال أبو علي: هما لغتان كالشمع والشمع ونحوه، والجمع أدراك.
وقيل: جمع الدرك أدرك، كفلس وأفلس. والنار دركات سبعة، أي طبقات ومنازل، إلا أن استعمال العرب لكل ما تسافل أدراك. يقال: للبئر أدراك، ولما تعالى درج، فللجنة درج، وللنار أدراك. وقد تقدم هذا. فالمنافق في الدرك الأسفل وهي الهاوية، لغلظ كفره وكثرة غوائله وتمكنه من أذى المؤمنين. وأعلى الدركات جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية، وقد يسمى جميعها باسم الطبقة الأولى، أعاذنا الله من عذابها بمنه وكرمه. وعن ابن مسعود في تأويل قوله تعالى: {فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} قال: توابيت من حديد مقفلة في النار تقفل عليهم.
وقال ابن عمر: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة ثلاثة: المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون، تصديق ذلك في كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: {إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ}.
وقال تعالى أصحاب المائدة: {فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ}.
وقال في آل فرعون: {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ}.

.تفسير الآية رقم (146):

{إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (146)}
استثناء ممن نافق. ومن شرط التائب من النفاق أن يصلح في قوله وفعله، ويعتصم بالله أي يجعله ملجأ ومعاذا، ويخلص دينه لله، كما نصت عليه هذه الآية، وإلا فليس بتائب، ولهذا أوقع أجر المؤمنين في التسويف لانضمام المنافقين إليهم. والله أعلم. روى البخاري عن الأسود قال: كنا في حلقة عبد الله فجاء حذيفة حتى قام علينا فسلم ثم قال: لقد نزل النفاق على قوم خير منكم، قال الأسود: سبحان الله! إن الله تعالى يقول: {إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ}. فتبسم عبد الله وجلس حذيفة في ناحية المسجد، فقام عبد الله فتفرق أصحابه فرماني بالحصى فأتيته. فقال حذيفة: عجبت من ضحكه وقد عرف ما قلت: لقد أنزل النفاق على قوم كانوا خيرا منكم ثم تابوا فتاب الله عليهم.
وقال الفراء: معنى: {فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} أي من المؤمنين.
وقال القتبي: حاد عن كلامهم غضبا عليهم فقال: {فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} ولم يقل: هم المؤمنون. وحذفت الياء من {يؤت} في الخط كما حذفت في اللفظ، لسكونها وسكون اللام بعدها، ومثله {يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ} و{سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ} و{يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ} حذفت الواوات لالتقاء الساكنين.

.تفسير الآية رقم (147):

{ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً (147)}
استفهام بمعنى التقرير للمنافقين. التقدير: أي منفعة له في عذابكم إن شكرتم وآمنتم، فنبه تعالى أنه لا يعذب الشاكر المؤمن، وأن تعذيبه عباده لا يزيد في ملكه، وتركه عقوبتهم على فعلهم لا ينقص من سلطانه.
وقال مكحول: أربع من كن فيه كن له، وثلاث من كن فيه كن عليه، فالأربع اللاتي له: فالشكر والايمان والدعاء والاستغفار، قال الله تعالى: {ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} وقال الله تعالى: {وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} وقال تعالى: {قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ}. وأما الثلاث اللاتي عليه: فالمكر والبغي والنكث، قال الله تعالى: {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ}.
وقال تعالى: {وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} وقال تعالى: {إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ} {وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً} أي يشكر عباده على طاعته. ومعنى يشكرهم يثيبهم، فيتقبل العمل القليل ويعطي عليه الثواب الجزيل، وذلك شكر منه على عبادته. والشكر في اللغة الظهور، يقال: دابة شكور إذا أظهرت من السمن فوق ما تعطى من العلف، وقد تقدم هذا المعنى مستوفى. والعرب تقول في المثل: (أشكر من بروقه) لأنها يقال: تخضر وتنضر بظل السحاب دون مطر. والله أعلم.

.تفسير الآيات (148- 149):

{لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً (148) إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً (149)}
فيه ثلاث مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ} وتم الكلام. ثم قال جل وعز {إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} استثناء ليس من الأول في موضع نصب، أي لكن من ظلم فله أن يقول ظلمني فلان. ويجوز أن يكون في موضع رفع ويكون التقدير: لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء إلا من ظلم. وقراءة الجمهور {ظُلِمَ} بضم الظاء وكسر اللام، ويجوز إسكانها. ومن قرأ {ظلم} بفتح الظاء وفتح اللام وهو زيد بن أسلم وابن أبي إسحاق وغيرهما على ما يأتي، فلا يجوز له أن يسكن اللام لخفة الفتحة. فعلى القراءة الأولى قالت طائفة: المعنى لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول إلا من ظلم فلا يكره له الجهر به. ثم اختلفوا في كيفية الجهر بالسوء وما هو المباح من ذلك، فقال الحسن: هو الرجل يظلم الرجل فلا يدع عليه، ولكن ليقل: اللهم أعني عليه، اللهم استخرج حقي، اللهم حل بينه وبين ما يريد من ظلمي. فهذا دعاء في المدافعة وهي أقل منازل السوء.
وقال ابن عباس وغيره: المباح لمن ظلم أن يدعو على من ظلمه، وإن صبر فهو خير له، فهذا إطلاق في نوع الدعاء على الظالم.
وقال أيضا هو والسدي: لا بأس لمن ظلم أن ينتصر ممن ظلمه بمثل ظلمه ويجهر له بالسوء من القول.
وقال ابن المستنير: {إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} معناه، إلا من أكره على أن يجهر بسوء من القول كفر أو نحوه فذلك مباح. والآية على هذا في الإكراه، وكذا قال قطرب.
{إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} يريد المكره، لأنه مظلوم فذلك موضوع عنه وإن كفر، قال: ويجوز أن يكون المعنى: {إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} على البدل، كأنه قال: لا يحب الله إلا من ظلم، أي لا يحب الله الظالم، فكأنه يقول: يحب من ظلم أي يأجر من ظلم. والتقدير على هذا القول: لا يحب الله ذا الجهر بالسوء إلا من ظلم، على البدل.
وقال مجاهد: نزلت في الضيافة فرخص له أن يقول فيه. قال ابن جريج عن مجاهد: نزلت في رجل ضاف رجلا بفلاة من الأرض فلم يضيفه فنزلت {إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} ورواه ابن أبي نجيح أيضا عن مجاهد، قال: نزلت هذه الآية {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} في الرجل يمر بالرجل فلا يضيفه فرخص له أن يقول فيه: إنه لم يحسن ضيافته. وقد استدل من أوجب الضيافة بهذه الآية، قالوا: لان الظلم ممنوع منه فدل على وجوبها، وهو قول الليث بن سعد. والجمهور على أنها من مكارم الأخلاق وسيأتي بيانها في هود والذي يقتضيه ظاهر الآية أن للمظلوم أن ينتصر من ظالمه- ولكن مع اقتصاد- إن كان مؤمنا كما قال الحسن، فأما أن يقابل القذف بالقذف ونحوه فلا، وقد تقدم في البقرة. وإن كان كافرا فأرسل لسانك وادع بما شئت من الهلكة وبكل دعاء، كما فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث قال: «اللهم أشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» وقال: «اللهم عليك بفلان وفلان» سماهم. وإن كان مجاهرا بالظلم دعي عليه جهرا، ولم يكن له عرض محترم ولا بدن محترم ولا مال محترم. وقد روي أبو داود عن عائشة قال: سرق لها شيء فجعلت تدعو عليه، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تسبخي عنه» أي لا تخففي عنه العقوبة بدعائك عليه. وروي أيضا عن عمرو بن الشريد عن أبيه عن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: «لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته». قال ابن المبارك: يحل عرضه يغلظ له، وعقوبته يحبس له.
وفي صحيح مسلم: «مطل الغني ظلم». فالموسر المتمكن إذا طولب بالأداء ومطل ظلم، وذلك يبيح من عرضه أن يقال فيه: فلان يمطل الناس ويحبس حقوقهم ويبيح للإمام أدبه وتعزيره حتى يرتدع عن ذلك، حكي معناه عن سفيان، وهو معنى قول ابن المبارك رضي الله عنهما.
الثانية: وليس من هذا الباب ما وقع في صحيح مسلم من قول العباس في علي رضي الله عنهما بحضرة عمر وعثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن. الحديث. ولم يرد عليه واحد منهم، لأنها كانت حكومة، كل واحد منهما يعتقدها لنفسه، حتى أنفذ فيها عليهم عمر الواجب، قاله ابن العربي.
وقال علماؤنا: هذا إنما يكون فيما إذا استوت المنازل أو تقاربت، وأما إذا تفاوتت، فلا تمكن الغوغاء من أن تستطيل على الفضلاء، وإنما تطلب حقها بمجرد الدعوى من غير تصريح بظلم ولا غضب، وهذا صحيح وعليه تدل الآثار. ووجه آخر- وهو أن هذا القول أخرجه من العباس الغضب وصوله سلطه العمومة! فإن العم صنو الأب، ولا شك أن الأب إذا أطلق هذه الألفاظ على ولده إنما يحمل ذلك منه على أنه قصد الإغلاظ والردع مبالغة في تأديبه، لا أنه موصوف بتلك الأمور، ثم انضاف إلى هذا أنهم في محاجة ولاية دينية، فكان العباس يعتقد أن مخالفته فيها لا تجوز، وأن مخالفته فيها تؤدي إلى أن يتصف المخالف بتلك الأمور، فأطلقها ببوادر الغضب على هذه الأوجه، ولما علم الحاضرون ذلك لم ينكروا عليه، أشار إلى هذا المازري والقاضي عياض وغيرهما.
الثالثة: فأما من قرأ {ظلم} بالفتح في الظاء واللام- وهي قراءة زيد بن أسلم، وكان من العلماء بالقرآن بالمدينة بعد محمد بن كعب القرظي، وقراءة ابن أبي إسحاق والضحاك وابن عباس وابن جبير وعطاء بن السائب- فالمعنى: إلا من ظلم في فعل أو قول فاجهروا له بالسوء من القول، في معنى النهي عن فعله والتوبيخ له والرد عليه، المعنى لا يحب الله أن يقال لمن تاب من النفاق: الست نافقت؟ إلا من ظلم، أي أقام على النفاق، ودل على هذا قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تابُوا}. قال ابن زيد: وذلك أنه سبحانه لما أخبر عن المنافقين أنهم في الدرك الأسفل من النار كان ذلك جهرا بسوء من القول، ثم قال لهم بعد ذلك: {ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ} [النساء: 147] على معنى التأنيس والاستدعاء إلى الشكر والايمان. ثم قال للمؤمنين: {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} في إقامته على النفاق، فإنه يقال له: الست المنافق الكافر الذي لك في الآخرة الدرك الأسفل من النار؟ ونحو هذا من القول.
وقال قوم: معنى الكلام: لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول، ثم استثنى استثناء منقطعا، أي لكن من ظلم فإنه يجهر بالسوء ظلما وعدوانا وهو ظالم في ذلك.
قلت: وهذا شأن كثير من الظلمة ودأبهم، فإنهم مع ظلمهم يستطيلون بألسنتهم وينالون من عرض مظلومهم ما حرم عليهم.
وقال أبو إسحاق الزجاج: يجوز أن يكون المعنى: {إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} فقال سوءا، فإنه ينبغي أن تأخذوا على يديه، ويكون الاستثناء ليس من الأول.
قلت: ويدل على هذا أحاديث منها قوله عليه السلام: «خذوا على أيدي سفهائكم». وقوله: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» قالوا: هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما؟ قال: «تكفه عن الظلم».
وقال الفراء: {إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} يعني ولا من ظلم.
قوله تعالى: {وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً} تحذير للظالم حتى لا يظلم، وللمظلوم حتى لا يتعدى الحد في الانتصار. ثم أتبع هذا بقوله: {إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ} فندب إلى العفو ورغب فيه. والعفو من صفة الله تعالى مع القدرة على الانتقام، وقد تقدم في آل عمران فضل العافين عن الناس. ففي هذه الألفاظ اليسيرة معان كثيرة لمن تأملها.
وقيل: إن عفوت فإن الله يعفو عنك. روي ابن المبارك قال: حدثني من سمع الحسن يقول: إذا جئت الأمم بين يدي رب العالمين يوم القيامة نودي ليقم من أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا، يصدق هذا الحديث قوله تعالى: {فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40].